السيد كمال الحيدري
309
اللباب في تفسير الكتاب
العرب ل « عبد » وما يماثلها ويقاربها في المعنى كخضع وخنع وأطاع وذلّ نجد أنّه لا شئ من هذه الألفاظ يضاهى « عبد » ويحلّ محلّها ويقع موقعها ، وهذا يكشف أنّ كثيراً من هذه التفسيرات التي ذكرت للعبادة إنّما هي تفسير للشئ بلوازمه . ممّا لا يرتاب فيه مسلم أنّ العبادة بمعنى التألّه أي أن يكون المعبود إلهاً تختصّ بالله سبحانه وحده ( قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ) ( الرعد : 36 ) وأنّ هذا المعنى هو الذي ينصرف إليه لفظ العبادة حقيقة عند الإطلاق من دون قرينة كما تقدّمت الإشارة إليه . ويمكن تمييز مصاديقها عن مصاديق التعظيم والتكريم بيُسر وسهولة . فتقبيل العاشق دار معشوقته أو تراب قبرها بعد موتها ، لا يوصف بالعبادة ، كما أنّ ذهاب الناس إلى زيارة من يعنيهم من الشخصيّات والوفود إلى مقابرهم أو الوقوف أمامها احتراماً ، لا يعدّ عبادة وإن بلغ من الخضوع ما بلغ ، لذا قال محمّد عبده في تفسيره : « يغلو العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له غلوّاً كبيراً حتّى يفنى هواه في هواه وتذوب إرادته في إرادته ، ومع ذلك لا يسمّى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة ، ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والأمراء ، فترى في خضوعهم لهم وتحرّيهم مرضاتهم ما لا تراه من المتخشّين القانتين دع سائر العابدين ولم يكن العرب يسمّون شيئاً من هذا الخضوع عبادة » « 1 » . إلّا أنّه مع ذلك فإنّنا بحاجة إلى بيان ضابطة كلّية لتمييز مصاديق العبادة المصطلحة عن غيرها . وقد ذكرت في كلمات الأعلام تعاريف متعدّدة ، نقف عند اثنين منها :
--> ( 1 ) تفسير القرآن العظيم المعروف بتفسير المنار : ج 1 ص 54 .